
نبذة: إن الحكاية تلعب دوراً مركزياً في صقل أرواح الشعوب وجعل الإنسان أكثر إدراكاً وأكثر تواضعاً، وإلا سيدفع ثمناً باهظاً لاستمراره في الجهل والغرور ولعل قول أندريتش نفسه يؤكد ذلك حين يقول: "لعل في الحكايات، الشعرية، والمكتوبة، يكمن تاريخ البشرية الحقيقي. ولربما كان بإمكاننا أن نقف من خلالها على فحوى هذا التاريخ أو التكهن به، وذلك بصرف النظر عما إذا كانت هذه الحكايات تعالج الماضي أو الحاضر".ولعلّ "ايماءات" أندريتش التي نقلب صفحاتها والتي ترجمها زهير خوري، تكون إسهاماً من الاثنين، لنا نحن العرب المعاصرون، في أن نكون أكثر إدراكاً وأكثر تواضعاً لنسمع إيقاع الصوت الآتي.و يعتبر "إيفو اندريتش" أحد أهم كتّاب هذا العصر، نظراً لما أنجزه في مجالات القصة والرواية والشعر، ثم نظراً لكتاباته التي تعبّر عن فلسفته، وتعكس وجهات نظره في الحياة والفن والتاريخ. كما تبرز أهمية اندريتش أيضاً لأنه استطاع ببراعة وصدق، تقديم لوحة بالغة التفصيل، شديدة الثراء، عن بلدة البوسنة,وما تتصف به هذه المنطقة من تنوع وغنى، ولكونها تشكل نقطة تماس بين ثقافات وحضارات وديانات، وما يعنيه ذلك من إمكانية التفاعل والتأثر المتبادل، وبالتالي الخصب المتبادل، أو بداية الصدام والعنف والكره ثم الحرائق والحروب في هذه المجموعة القصصية يحاول الكاتب الكبير، أن قراءة حارة للوطن، وأن يرصد خراباته الكامنة والممكنة. إنه يرصد لكن ليس بعين المتفرج، بل بعين الرصد المنغمس كلياً في حركة الواقع.يضم هذا الكتاب سبع عشرة قصة، ومسرحية من فصل واحد. فالقصص العشر الاولى هي مختارات من مجلد "ايماءات" احد المجلدات الثمانية عشر.. الاعمال الكاملة لايفو اندريتش. اما القصص السبع التي تليها، فهي منتقاة من مجلدات اخرى.إن ابطال المجموعة الاولى، يجمعهم قاسم مشترك.. مرض نفسي، ما هو الا ردة فعل لامراض المجتمع الذي يعيشون فيه. فهم مغرورون، متبجحون، متشردون، مدمنون، مغبونون.. انهم ليسوا غرباء عنا، نراهم كل يوم من حولنا، نعيش معهم . لكننا عاجزون عن تبرئتهم او ادانتهم.القصص الثلاث التالية، تدور احداثها في جو ضبابي، بين الحلم واليقظة، بين الواقع والخيال، لكنها تبقى متصلة بالحياة اليومية المعقدة. ثم قصتان تتجلى فيهما قدرة اندريتش البارعة على التحكم بكاميرته المتحركة: فها هو يسجل لنا حركات قدمين، نراها كل يوم، سواء في مطعم او غرفة جلوس او في مهجع نوم، لكننا لا نأبه بها. كما يصور لنا ما يتفاعل في خلجات النفس من افكار بمجرد سماع صوت او كلمة.ثم قصتان اخريان، يستحضر فيهما المؤلف كلا من بايرون وغويا، شاعرا ورساما، لكي يعلن موقفه من الجمال والحياة والموت والمسرح والرسم والاساطير.اما القصة الاخيرة "رسالة من عام 1920" - التي قرئت قراءة جديدة عام 1992 ذكرى مرور قرن على مولد اندريتش، العام الذي اندلعت فيه الحرب بالبوسنة - فانها تعتبر بمثابة نبوءة لما حل بيوغسلافيا، ولما كان اندريتش يخشى من قوعه طوال حياته.